تحقيق:أطفال فلسطين يعانون لتجاوز آثار العدوان..بعد مرور سنة ونصف عليه

0

محمد صاحب الندبة على ذقنه أخذ ولاعة وأحرق نفسه. تقول والدته وهي تمسك برأس ابنها، “لا أدري كيف له أن يقوم بشي كهذا انه لم يفعل شيئاً مثل هذا من قبل”.

“ميدل أيست آي”:ترجمة هيثم فيضي

محمد صاحب الندبة على ذقنه أخذ ولاعة وأحرق نفسه. تقول والدته وهي تمسك برأس ابنها، “لا أدري كيف له أن يقوم بشي كهذا انه لم يفعل شيئاً مثل هذا من قبل”. ومحمد هنا هو اسم مستعار لطفل صغير يبلغ من العمر 8 سنوات يسكن في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة.

يجلس محمد على مجموعة من الفرش في المنزل وتحدق عيونه في كل ما حوله. ومن حوله كلمات قليلة من عائلته أعادته في 10 ثوان بذكريات مؤلمة من الدم والجثث المشوهة والتفجيرات الذكريات التي لن تنمحي أبداً.

وعلى الرغم من صغر عمر محمد إلا أنه يعد من قدامى المقاتلين، فقد شهد ثلاثة حروب طاحنة وعنيفة على غزة كانت أكبر مما يستطيع كل هذا العمر تحمله فكيف بـ 8 سنوات فقط.

جميع أفراد اسرته يريدون أن يعود محمد القديم، تقول أمه أنه كان خجولاً وجميلاً، أما الآن وبعد عام ونصف من آخر حرب شهدها القطاع. فإن محمد وأسرته يناضلون من جديد لتعلم كيفية التعامل مع محمد الطفل الجديد المختلف الذي ينفجر عنفاً ضد كل من حوله، أخته أصدقاؤه وحتى أمه.

اضطرابات نفسية

في دراسة أجراها برنامج غزة للصحة النفسية ونشرت في تموز من عام 2015، قدر  أن 51 % من أطفال غزة ما زالوا يعانون هول الصدمة بعد نهاية الحرب حتى تلك اللحظة.

ووفقاً للمختصين في الصحة النفسية بقطاع غزة، فإن هذه النتيجة تعد طبيعة في ظل الواقع الحالي فلا السياق السياسي مستقر، والحصار مازال مستمرا، أما الوضع الاقتصادي فليس بأحسن حال من ذي قبل، هذا عدا عن أن انعدام الحماية الاساسية يدمر أي شعور بالسلم النسبي داخل النفس الانسانية، وكل هذه العوامل تجعل الحديث عما يسمى بالانتعاش أو ما بعد الصدمة حديثاً بلا جدوى.

ولنا أن نلاحظ أن أطفال الانتفاضة الأولى كانوا شباب الانتفاضة الثانية واطفال الانتفاضة الثانية صاروا شباب هذه الحروب أما أطفال هذه الحروب فماذا سيشهدون؟

يقول مدير برنامج غزة للصحة النفسية حسن زيادة، “على مدار السنين تعرضت عائلات بأكملها لأنواع مختلفة من الصدمات والتعذيب والاعتقال والتوغل والقصف وبهذا يتغير ويتطور تباعاً منظور الأجيال والأطفال لهذه الأحداث والمشاكل”.

ويضيف، “قطاع غزة يشهد وضعاً فريداً في التعامل مع آثار الصدمة فنحن لا نضمن أن تكون الغارة التي نسمعها هي الأخيرة إلا لو كانت القاتلة، وحتى في حالات السلم فإن الحصار ما يزال مستمراً وبالتالي فإن “ما بعد” لا تنطبق هنا أبداً.”

ولعل حالات كمحمد وآلاف الأطفال في غزة بحاجة إلى دراسة آليات بناء القدرة على الصمود وبحث أساليب المجتمع وجهوده الاجتماعية والدينية المتعلقة، وحقيقة أن التعافي الحقيقي لن يتم تماماً طالما هناك اجراءات اسرائيلية ضد القطاع، فإن هذا يدفعنا لطرح سؤال أخلاقي على “إسرائيل” ورفع قضية دولية ضدها طالما أنها ترتكب فعلاً تعلم أن التخلص منه مستحيل.

لا أمان

نتحدث عن حرب غزة عام 2014 بوصفها واحدة من الحروب التي قضت “إسرائيل” فيها على عائلات بأكملها، واستهدفت خلالها المنازل والمساجد وكل شيء وبلا استثناء لم يشعر أحد بالأمان.

وفي ذروة الحرب أقدمت “إسرائيل” على قصف مدرسة بنات الأونوروا في جباليا، والتي كانت تمثل مأوى لقرابة 3300 نازح. اسفر القصف الاسرائيلي للمدرسة بتاريخ (30/تموز) عن استشهاد 20 شخصا وإصابة المئات بجروح، أحد شهداء تلك الحادثة كان عم محمد المقرب منه.

ووفق والد محمد فإن شقيقه انتقل إلى تلك المدرسة بعد أن ترك منزله في مدينة بيت حانون إثر إلقاء طائرات الاحتلال لمنشورات تحذر سكان المنطقة من التواجد بها.

وبعد المجزرة تلك قال المفوض العام للأونوروا، “اليوم، العالم يهان” في حين ألقى متحدث باسم جيش الاحتلال اللوم على حماس “لأنها اضطرت اسرائيل لاستهداف هؤلاء المدنيين”، حسب زعمه، وفي ذلك الوقت توجه محمد ووالده إلى مستشفى جباليا بحثاً عن عمه الشهيد.

وكان محمد قد أصيب قبل هذا الحادث باسبوعين إثر سقوط قذيفة إسرائيلية على منزل أحد جيرانهم، ما أدى لإصابته بجروح مختلفة في ذراعه ورأسه.

كان الدم في المستشفى في كل مكان، ثلاجات الموتى مزدحمة والصيف حار. ولا مكان لأحد كي يتنفس به. وجدوا أخيراً عم محمد، اضطروا لتجاوز العديد من الجثث هناك وكانت الجثة بلا رأس وأشلاؤها متناثرة.

ما بعد الصدمة

كان ذلك اليوم هو ما تسبب في تغير محمد بهذا الشكل، قال لوالده أشعر أن هناك دماءً حولي في كل مكان، رائحة الدم لا تفارق أنفي والتقيء صار يلازمه.

صرخ محمد في جنازة عمه، ” أنا لا أريد أن أموت، أريد أن أبقى حياً”، تشبث بأمه كثيراً لم تفلح كل محاولاتهم في إعطائه الأمان فمشاهد المشفى والمدرسة كانت كفيلة في تدمير أي ذاكرة للأمان شعر بها.

ومنذ أن انتهت الحرب، يداوم محمد على حضور جلسات لمده ساعة اسبوعياً في مركز غزة النفسي يجلس في غرفة اللعب ويتحدث إليه الطبيب قليلاً. لا يزال يلعب بالأسلحة فقط ويقول أنه يحب الاسترخاء في ذلك المركز وانه يمكنه الحديث في كل شيء.

تقول والدته، “صوته ما زال ضعيفاً ولانرى تحسناً كبيراً في حالته، لا يمكن أن تستمر حالته هكذا طول الوقت لكنه لا يبدي أي تحسن حتى الآن، خاصة وأنه ما زال يشكو من ألم كبير في ساقيه والذي يصنفه الأطباء على أنه نفسي السبب”. ويكفي أي غارة اسرائيلية أو صوت مطر أو صوت عنيف لاعادته إلى الوراء وانتكاس علاجه.

لا تذكر والدته آخر مرة نام فيها على سريره ليلة كاملة دون خوف، أو دون إضاءه على الأقل، وقد قال قبل أيام إنه بدأ يشعر بأمان مع والديه حين ينام وهم بجانبه.

وعلى الرغم من حالة عدم اليقين التي تخيم على غزة الآن ومدى انسداد الأفق في غزة هذه الأيام، إلا أن هذا الطفل ما زال يملك بصيصاً من أمل في أن يصبح طبياً يوماً ما. هذه المرونة في التعاطي مع الأحداث هي الشيء الأكبر المشترك بين جل سكان قطاع غزة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.