كيف يتعامل “داعش” مع تجار السلاح بالمناطق التي يستولي عليها؟

0

كان أبو علي واحداً من تجار السلاح المعروفين بتعاملهم مع قوات المعارضة السورية التي كانت تقاتل داعش في مدينته في شرق سوريا، وفي أحد الأيام منذ حوالي

عبد الفتاح الحيداوي – بتصرف عن وكالات

كان أبو علي واحداً من تجار السلاح المعروفين بتعاملهم مع قوات المعارضة السورية التي كانت تقاتل داعش في مدينته في شرق سوريا، وفي أحد الأيام منذ حوالي سنة رأى اثنين من قياديي تنظيم داعش يخرجان من سيارتهم البيك آب ويتجهون نحوه، ولِما له من سمعة أيقن حينها أن أيامه قد أصبحت معدودة، إلا أن سرعان ما انتابه شعور بالحيرة والارتباك عندما قاما بتسليمه وثيقة كُتِبَ عليها: “يُسمَح لهذا الشخص ببيع وشراء كافة أنواع الأسلحة داخل أراضي الدولة الإسلامية”. يذكر أبو علي أن هذه الوثيقة كانت ممهورة بخاتم إحدى الهيئات الرسمية للتنظيم في الموصل.

بعد سيطرة داعش على مساحات واسعة في شرق سوريا العام الماضي شعر الكثيرون من تجار السوق السوداء من أمثال أبي علي بالخوف من أن التنظيم سيقوم باحتجازهم أو نفيهم خارج أراضيه، إلا أن هؤلاء وعلى عكس التوقعات كانوا محل تودد من قبل التنظيم، فقد تم استقطابهم ليصبحوا جزءاً من سوق كبير يحكمه العرض والطلب ويساعد في تزويد التنظيم بما يحتاجه من أسلحة وذخائر في جميع مناطق خلافته المزعومة والتي تمتد على نصف مساحة سوريا وما يقارب من ثلث مساحة العراق، الأمر الذي يجعل من داعش أغنى تنظيم جهادي في العالم.

يقول أبو علي: “يشترون الأسلحة والذخائر بجنون، يشترون كل يوم وفي كل الأوقات؛ في الصباح وبعد الظهر وفي المساء”، علماً أن أبا علي طلب عدم الكشف عن اسمه الحقيقي كونه كان يعمل داخل مناطق التنظيم.  

عند اجتياح تنظيم داعش لمدينة الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، في صيف 2014 سيطر على كميات من الأسلحة تبلغ قيمتها مئات ملايين الدولارات، ومنذ ذلك الحين حقق انتصارات في معارك كثيرة وتمكن في كل معركة من السيطرة على المزيد من الأسلحة والذخائر، وهذا ما جعل التنظيم يمتلك الآن ترسانة تضم دبابات أمريكية من نوع أبرامز وبنادقM16 وMK-19 ومدافع عيار 40مم (تم الاستيلاء عليها من الجيش العراقي) ومدافعM-46 عيار 130مم روسية الصنع (تم الاستيلاء عليها من القوات السورية).

إلا أنه ومع هذه الأسلحة التي سيطر عليها التنظيم فإنه ما يزال بحاجة دائمة لشيء واحد وهو الذخيرة، وفقاً لبعض تجار الأسلحة المتعاملين معه والذين أكدوا أن أكثر ما يطلبه التنظيم الآن هو طلقات كلاشينكوف وطلقات مدافع رشاشة متوسطة ومدافع مضادة للطائرات عيار 14,5مم و12,5مم، إضافة إلى قذائف آر بي جي وطلقات قناصة لكن بكميات أقل.

من الصعب التوصل بشكل دقيق لمعرفة الكميات التي يشتريها التنظيم من الذخائر، والتي تقدر بملايين الدولارات، إلا أن بعض المقاتلين وتجار السلاح أكدوا أن المناوشات التي حدثت في وقت سابق هذا العام على خطوط الجبهة بالقرب من مدينة دير الزور تطلبت كميات ذخائر لم تقل قيمتها عن مليون دولار شهرياً، علماً أن هذه الجبهة لم تكن تمثل سوى واحدة من المعارك التي كان يخوضها التنظيم في ذلك الوقت. كما أكد هؤلاء أن هجوماً واحداً شنه التنظيم على مطار دير الزور العسكري استمر لمدة أسبوع واحد فقط كانت تكلفته حوالي مليون دولار.

إن ما يحتاجه التنظيم من ذخائر يعكس في الواقع ما يتبعه من استراتيجيات قتالية، فأثناء عمليات الهجوم والانسحاب يعتمد التنظيم بشكل كبير على السيارات الشاحنة المفخخة والأحزمة الناسفة وعبوات ناسفة يدوية الصنع، إلا أنه في المعارك الأخرى التي تتسم بالسرعة يكون الاعتماد على بندقيات الكلاشينكوف والمدافع الرشاشة المثبتة على السيارات، وهذه الأسلحة تستهلك عشرات الآلاف من الطلقات في كل يوم. صرح بعض المقاتلين أن التنظيم لديه شاحنات تقوم كل يوم بتزويد الجبهات المختلفة بما تحتاجه من ذخائر.

ولضمان استمرار هذا الإمداد فإن التنظيم يعتمد على عمليات إمداد لوجستية معقدة يقول عنها بعض المقاتلين إن أهميتها الكبيرة جعلتها تحت إشراف مباشر من المجلس العسكري الأعلى الذي يعد جزءاً من القيادة العليا للتنظيم. وهذا يشبه ما يقوم به التنظيم في إدارته لتجارة النفط التي تشكل أكبر موارده دراً للأرباح.

بالنسبة للمصادر التي يعتمدها التنظيم في شرائه للذخائر فإن أعداءه المباشرين يشكلون أكبر مصدر لهذه الذخائر، فالمليشيات الموالية للحكومة في العراق تقوم ببيع بعض الذخائر للتجار في السوق السوداء، وهؤلاء يقومون بدورهم ببيع هذه الذخائر للتجار المتعاملين مع التنظيم. أما في سوريا التي تشهد حرب ثلاثية الأطراف فإن التنظيم يعتمد في أغلب الأحيان على أعدائه من قوات الرئيس بشار الأسد وقوات المعارضة التي تحارب كلاً من تنظيم داعش وقوات النظام، وبين هذه الأطراف الثلاثة يبرز الدور الأساسي لتجار السلاح السوريين.

بالنسبة لأبي علي فقد قرر الفرار من مناطق تنظيم داعش بعد أن تم الطلب منه الانضمام إلى صفوفه، أما أبو عمر الذي هو في العقد السابع من عمره وصاحب خبرة طويلة في السوق السوداء فقد غاص أكثر في هذه التجارة. يقول أبو عمر: “كنا نشتري الأسلحة والذخائر من النظام السوري والمعارضة المسلحة ومن القوات العراقية، ولو كان بإمكاننا أن نشتري من الإسرائيليين لما كان تنظيم داعش سيمانع، طالما أنه يتمكن من الحصول على ما يحتاجه من الذخيرة”. كان أبو عمر يتحدث للفاينانشال تايمز وهو يشرب قدحاً من الويسكي في أحد البارات في تركيا، حيث تحدث عن تجربته في العام الماضي كمهرب أسلحة لتنظيم داعش قبل أن يترك هذه التجارة في شهر آب أغسطس الماضي بعد أن رأى أن تنظيم داعش يتسم بالبغي، على حد تعبيره. يضيف أبو عمر أن تجار الأسلحة يحصلون من قادة التنظيم على بطاقات هوية رسمية بعد حصولهم على الموافقة الرسمية من اثنين من الأعضاء الأمنيين في التنظيم، وهنا يضيف التنظيم عبارة تسمح للمهربين بالتنقل بحرية وممارسة تجارتهم طالما أنهم يبيعون فقط للتنظيم نفسه.

إن القدرة التي يتمتع بها التنظيم في نقل كميات كبيرة من الذخيرة بشكل سريع أثناء المعارك قد أثارت ذهول منافسيه، ففي شمال العراق قامت قوات البشمركة الكردية باكتشاف وثائق تفصيلية خاصة بشحنات الأسلحة والذخائر التي كان التنظيم قد طلبها لمعارك كانت قد انتهت. يقول أحد المسؤولين الأمنيين العراقيين الذي طلب عدم الكشف عن اسمه: “خلال أربع وعشرين ساعة من طلب الذخيرة يتم إرسالها لهم في سيارات مخصصة لهذا الغرض”. يشير بعض المقاتلين وتجار السلاح بأن السرعة في نقل الذخيرة إنما تعود لنظام الاتصالات الموجود لدى التنظيم، ويعتمد هذا النظام على لجنة متنقلة يتم تعيينها من قبل المجلس العسكري الأعلى في العراق وتكون مهمة هذه اللجنة التواصل المستمر مع مراكز السلاح الموجودة في الولايات التي بدورها تأخذ الطلبات من الأمراء العسكريين.

أحياناً يكون بإمكان أعداء التنظيم الدخول على ترددات اللاسلكي والتنصت على المحادثات التي تدور بين الأمراء العسكريين والمراكز، فمن الحدود السورية العراقية قام مقاتلو البشمركة الأكراد يوماً ما بالتجمع حول جهاز لاسلكي تم توليفه على تردد تابع لداعش واستمعوا لمقاتلي التنظيم يطلبون “كباب” و”دجاج تكا” و”سلطة”. يقول أبو أحمد أحد قادة المعارضة الذي كان يحارب في شرق سوريا قبل أن ينتقل إلى تركيا الصيف الماضي: “الكباب ربما يشير إلى الأسلحة الرشاشة الثقيلة، وأما السلطة فربما يقصدون بها ذخيرة لبندقيات الكلاشينكوف”، ويتابع أبو أحمد ضاحكاً: “لديك الطلقات المتفجرة والطلقات الخارقة وهذا يشكل مزيجاً يشبه السلطة“.

يقول أبو عمر: إنه كان يتواصل مع المراكز عبر واتس آب، تطبيق الرسائل على الهاتف المحمول.

تقوم اللجنة المتنقلة كل بضعة أيام بإصدار لوائح بأسعار الطلقات والقذائف المطلوبة ويتم اعتماد هذه اللوائح من قبل المراكز الموجودة في الولايات. بالنسبة لأبي عمر فقد كان يستلم رسالة على الموبايل من المركز المتعامل معه تخبره بآخر الأسعار. يقول تجار الأسلحة إن هامش الربح لديهم كان في حدود 10 إلى 20 بالمائة. أكد أبو أحمد للفينانشال تايمز أنه مع تقدم المقاتلين المدعومين أمريكياً في وجه التنظيم وإجباره على الابتعاد أكثر عن الحدود التركية فإن الأسعار ترتفع نتيجة التضييق على طرق التهريب التي يمكن اتباعها، ولذلك فإن التنظيم قد أصدر تراخيص أكثر بغية زيادة المنافسة بين المهربين وبالتالي تخفيض الأسعار وهذا ما أدى وفق أحد المهربين إلى تسابق عدد أكبر من المهربين للحصول على الصفقات نفسها.

تأتي معظم الذخيرة الآن من سوريا التي أصبحت تشكل مصدراً لكل المنطقة للتزود بالسلاح، فالداعمون الخليجيون يقومون بدعم الجماعات المسلحة المفضلة لديهم بحمولات كبيرة من الذخيرة التي تدخل عبر الحدود التركية، وهنا يأتي دور المقاتلين اللاهثين عن المال إذ يقوم هؤلاء ببيع جزء من هذه الكميات لتجار محليين. ووفق ما أكد أحد أهالي المنطقة فإن المناطق الحدودية كإدلب وحلب قد أصبحت تشكل أكبر سوق سوداء في البلاد.

ويؤكد أبو أحمد أنه مع مرور خمس سنوات على بدء الحرب فإن المهربين لم يعودوا يكترثون كثيراً لأي جهة ينتمي زبائنهم، ويضيف: “بعض المهربين هم بالأساس ضد تنظيم داعش لكن هذا لا يهم على الإطلاق عندما يتعلق الموضوع بتحقيق الربح“.

لدى تجار الأسلحة شبكة من السائقين والمهربين الذين يتم استخدامهم في عمليات التهريب حيث يتم تخبئة الذخيرة في سيارات الشحن التي تنقل مواد للمدنيين كالخضروات ومواد البناء. يضيف أبو أحمد:

“هناك سيارات شحن تدخل وتخرج من مناطق التنظيم بأعداد كبيرة جداً، ودائماً يتم استخدام هذه السيارات لنقل أشياء تبعد عنها الشك. أيضاً يتم استخدام صهاريج نقل النفط والوقود بشكل كبير حيث تشكل هذه الصهاريج فرصة جيدة كونها تعود فارغة إلى مناطق التنظيم

إن الأسلحة التي تقدمها موسكو وطهران لنظام الأسد تشكل في الواقع واحداً من أهم مصادر الأسلحة التي تباع في السوق السوداء، وغالباً ما تأتي هذه الأسلحة من السويداء. يقول أبو عمر: “تنظيم داعش يحب الأسلحة الروسية. هم يشترون الأسلحة الإيرانية أيضاً لكن بأسعار زهيدة“.

ومع قلة الفرص الاقتصادية التي بقيت متاحة للناس في هذه المنطقة أصبح من الصعب أكثر فأكثر أن يتم كبح هذه التجارة، فكل مرة يقرر أحد تجار السلاح أن يترك مناطق التنظيم ويغادر نجد الكثيرين غيره لاهثين لاقتناص مثل هذه الفرصة لتحقيق مصدر للربح. يقول أبو عمر:

“أصبح الأمر اليوم مجرد موضوع ربح اقتصادي. لا أحد يهتم من أنت. الشيء الوحيد الذي يهم هو المال“.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.