التشيع في المغرب بين الماضي والحاضر (1)

0

إن أهمية هذه المسألة، وهي مسألة تاريخ التشيع في المغرب، تتجلى في أن متشيعة المغرب اليوم يركزون على بعض المعطيات التاريخية، ويستدلون بها على أن المغرب

 

حامد الإدريسي المغربي – ريحانة برس

الدولة الفاطمية ودخول المذهب الشيعي

المطلب الأول: بين الأدارسة والفاطميين

المبحث الأول

إن أهمية هذه المسألة، وهي مسألة تاريخ التشيع في المغرب، تتجلى في أن متشيعة المغرب اليوم يركزون على بعض المعطيات التاريخية، ويستدلون بها على أن المغرب بلد شيعي في الأصل، وأن الإسلام عندما تغلغل في المغرب، كان على مذهب الشيعة، محاولين بذلك أن يوطئوا لدخول هذه العقيدة، ويخففوا من النفور الذي تعانيه في الساحة الدينية.

لذلك قررت أن أتعرض لهذا المبحث، لنرى هل كان المغاربة شيعة بالفعل؟ ومتى دخل التشيع المغرب؟ وهل يمكن أن نصف المغرب بأنه كان دولة شيعية؟

لقد دخل المولى إدريس المغرب، في أواخر القرن الثاني، وقام بتأسيس دولته الكبيرة، مستفيداً من الولاء الذي يكنه المغاربة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، حيث تنازل له أمير أوربة عن الملك بعد أشهر من وصوله سنة (172) هجرية، واستطاع خلال سنتين أن يوحد المغرب، ويجمع شمله([384]).

فهل كان المولى إدريس ينشر المذهب الشيعي؟

إن كون المولى إدريس علوياً في النسب خارجاً على سلطة العباسيين، ليس دليلاً كافياً لينسب إليه أنه شيعي رافضي، فالتشيع لم يكن بالنسبة إليه وإلى الكثير من الشيعة الأُول إلا قضية سياسية، وانتماء لعسكر المطالبين بحق آل البيت في الخلافة، ومناهضة للتسلط الذي بدأ ينشأ في رحاب الملك العباسي، فحب آل البيت ونصرتهم ومؤازرتهم وادعاء أحقيتهم بالخلافة هي عناصر التشيع في تلك المرحلة، وقصاراه تفضيل علي على عثمان رضي الله عنهما، وليس أكثر من ذلك.

يقول الدكتور محمد الحاجري: (في ذلك الوقت الذي دخل فيه التشيع إلى المغرب العربي، -أي: في عهد الفاطميين- كان هذا المذهب قد تحول تحولاً ظاهراً كبير الخطر، فلم يعد كما كان الشأن فيه في مبدأ أمره مجرد دعوة لأبناء علي وفاطمة، أو ثورة على الأمويين إذ غصبوهم حقهم، واستلبوا ما كان ينبغي فيما يرون أن يكون لهم، ثم تعقبوهم وجعلوا ينكلون بهم، فإن اتجاه التشيع إلى المشرق واتخاذه من بلاد الفرس موطناً له … كل ذلك انحرف به عن نصابه الأول، وتحول به عن صورته الأولى، إذ أسبغ عليه ألواناً جديدة مشتقة من العقلية الفارسية بمواريثها المختلفة، وخلط ما بينه وبين هذه العقلية وصور إدراكها للإسلام)([385]).

وبعد أن أوضح بعض المعالم الجديدة في التشيع الفارسي قال: (وذلك هو التشيع الذي دخل المغرب العربي في أواخر القرن الثالث، ومن قبل دخل التشيع هذه البلاد مع إدريس بن عبد الله في أواخر القرن الثاني، ولكن ما أبعد ما بين التشيع الجديد والتشيع القديم: التشيع الفارسي والتشيع العربي… فدولة الأدارسة لم تكد تفرض مذهبا معينا، أو أن ما فرضته من ذلك إنما كان في حدود ضيقة … قبل أن يصطبغ التشيع بتلك الصبغة الباطنية، ويرتبط بالقومية الفارسية)([386]).

والحق أن المولى إدريس لم يكن شيعياً إلا بالانتماء السياسي، وبكونه من المطالبين بأحقية أهل البيت في خلافة المسلمين، ولهذا لم ينشر في المغرب إلا الدعوة السنية النقية، حتى أسماه بعض المغاربة بالفاتح الثاني للمغرب.

يقول الدكتور سعدون عباس نصر الله: (ومما يثير الاستغراب أن الأدارسة كانوا علويين شيعة، والقضاء في دولتهم على المذهب المالكي)([387]) ولم يبين سبب هذا التناقض الذي أشكل عليه، ولو كان المولى إدريس شيعياً مذهباً لألزم الناس بمذهبه، فقد كانوا وهم أهل بادية، على أتم الاستعداد لقبول كل ما يأتي به المولى إدريس، وما الذي يحمله على تولية قضاة مالكيين، والمغرب الأقصى ما زال في ذلك الوقت أرضاً بوراً يقبل أي مذهب وصل إليه، لذلك حينما وصل أبو عبد الله الشيعي، غرس المذهب الشيعي ودعا الناس إليه، فقبلوه واعتنقوه، وهذا التناقض الذي أشكل عليه إنما يزول إذا عرفنا الفرق بين التشيع السياسي الذي كان في ذلك الوقت، والذي بينّا عناصره، وبين التشيع العقدي الديني الذي جلبه الدعاة الفاطميون.

يقول الأستاذ عبد الله كنون: (فعمل إدريس على إبلاغ الدعوة الإسلامية خالصة من الزيغ والانحراف إلى الجميع، واستنفذ الذين استهوتهم البدع والأهواء من الضلال، ووحد كلمة المغرب وقلوب أهله من يومئذ على مذهب السنة والجماعة، فلم يمل عنه بعد ذلك حتى يوم الناس هذا)([388]) واستدل على أنه ليس من الشيعة بمؤازرة مالك وأبي حنيفة لخروج محمد بن عبد الله النفس الزكية على أبي جعفر، قال: (والحق أن قضية إدريس ونعني قضية العلويين بملابساتها المأساوية، وقوة حجتها، وأهمية من يناصرونها، من رجال العلم والدين، كالإمامين أبي حنيفة ومالك بن أنس، هي في غنية عن أن نلتمس لها الأسباب والعلل في شيعية كل من تطوع لخدمتها وتحمس لنصرتها…)([389]) ولو كانوا شيعة لما آزرهم مالك رضي الله عنه وهو القائل عن الشيعة: (لا تكلمهم ولا ترو عنهم؛ فإنهم يكذبون). وهو الذي منع عنهم نصيبهم من الفيء، مستدلاً بقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ … ))[الحشر:10] لكونهم يسبون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يترضون عنهم([390]).

وقد وجد في أحد وجهي الدرهم المضروب في عهد الدولة الإدريسية كلمة: إدريس، وتحتها محمد رسول الله وتحتها كلمة علي. وهذا ما اعتبره بعض الباحثين الشيعة، دليلاً أكيداً على أنه كان من الشيعة.

لكننا نقول: إن وجود كلمة علي على الدرهم تدل على اعتزازه بنسبه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا هو الشرف الذي استحق به الملك، فلذلك طبعه على درهم الدولة تقريراً لفضيلة هذا النسب، وتعزيزاً للدعيمة التي قامت عليها مملكته.

ودلالة كلمة علي على الاعتزاز بالنسب مساوية من جهة قوة الدلالة على المعنى الآخر، الذي هو تشيع الدولة الإدريسية، وإذا تساوت الدلالتان، فإننا ننظر إلى القرائن التاريخية التي من شأنها أن ترجح لنا أحد هذين المعنيين، وكل القرائن تدل على أن المولى إدريس لم يكن شيعياً، ولم ينشر في المغرب إلا المذهب السني.

بينما نجد أن تشيع الدولة الفاطمية قضية لا يناقش فيها عاقل، والأدلة التاريخية متضافرة على أنها دولة شيعية تتمسك بمذهبها وتنشره وتلزم به وتحكم على أساسه.

 لذا فإن التشيع عندما دخل إلى المغرب على يد الفاطميين، بدأ يفرض على أتباعه الدخول في المذهب بالقوة، فأول ما فعل المهدي بعد أن استتب له الأمر: (أنه أمر يوم الجمعة أن يذكر اسمه في الخطبة، ويلقب بالمهدي أمير المؤمنين في جميع البلاد، فلما كان بعد صلاة الجمعة جلس رجل يعرف بالشريف ومعه الدعاة، وأحضروا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم، وقتل من لم يوافق)([391])، وهذا دليل على أن المغاربة لم يكونوا قبل ذلك على مذهب الشيعة، ودليل أيضاً على أن المولى إدريس لم يكن يدعو الناس إلى مذهب جديد ويقتلهم عليه، كما فعل المهدي الفاطمي.

بل يكفي للدلالة على أن المغرب لم يعرف التشيع قبل الدولة الفاطمية، أن هذه الأخيرة حاربت دولة الأدارسة، وهي التي باءت بوزر القضاء عليها وإسقاطها سنة (305) هجرية، ولو كانت الدولة الإدريسية شيعية لما تقاتلتا.

إذاً: يمكننا أن نعتبر الدولة الفاطمية أول ظهور حقيقي لمذهب الشيعة في المغرب.

وإذا علمنا أن الدولة الفاطمية كانت شيعية على مذهب الإسماعيلية، وقد علمنا مما سبق أن الشيعة الإثني عشرية تكفر الشيعة الإسماعيلية، فإن هذا كاف في إحداث القطيعة التاريخية بين التشيع الذي نحن بصدد بحثه، وهو التشيع الاثنا عشري، والذي يتبرأ عقائدياً من التشيع الإسماعيلي ويكفر أتباعه، ويعتبرهم من جملة الكفار المخالفين للحق.

لكن استخدام الشيعة لهذه الحقائق التاريخية في دعوتهم اليوم عبر القنوات والشبكات، كلفنا المزيد من البحث لرسم صورة واضحة في إثبات أن المغرب لم يقبل التشيع، ولم يتشرب هذه العقيدة، وأنه مالكي حتى النخاع.

لقد نجح الشيعة الإسماعيلية في إقامة أول دولة شيعية لهم بالمغرب على يد داعيين كبيرين بعثهما أبو جعفر الصادق، ووطآ لقدوم عبيد الله المهدي، الذي كان أول ملوك الدولة الفاطمية.

المطلب الثاني: مراحل تأسيس الدولة الفاطمية

جاء إلى المغرب داعيتان ينشران مذهب الشيعة تمهيداً لقيام المهدي، واسمهما: الحلواني وأبو سفيان، ونشرا مذهبهما في أرض كتامة من بلاد المغرب، لما ورد خبر موتهما على رستم بن الحسن بن ذاذان، وكان من شيعة اليمن، أرسل أبا عبد الله الشيعي أو المشرقي إلى المغرب، وقال له: (إن أرض المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان، وقد ماتا وليس لها غيرك، فبادر فإنها موطأة ممهدة لك)([392]) فذهب أبو عبد الله إلى الحج، وسأل عن أهل كتامة، وتعرف إليهم، وتألفهم بما أظهر من الخشوع والزهد والعبادة، ودخل معهم إلى كتامة سنة (288هـ) وبدأ ينشر مذهبه، ونزل بفج الأخيار وأخبرهم بأن المهدي بشره بظهور أمره من فج الأخيار، وأن اسم كتامة مشتق من الكتمان.

وفشل الجيش الذي بعثه والي إفريقية إبراهيم بن الأغلب بقيادة ابنه الأحول في القضاء على أبي عبد الله الشيعي، بعد أن اشتد عوده، وتغلب على مناوئيه من البربر، فلم تستطع جيوش الوالي إنهاء أمر هذه الدعوة وإن استطاعت أن تهزمها في بعض المواقع. وبعد موت إبراهيم بن الأغلب، خلفه زيادة الله بن الأغلب الذي كان منشغلاً بلهوه، وقتل الأحول، فاشتد فرح أبي عبد الله وأتباعه، وبدأ يخبرهم بقرب ظهور المهدي.

بعد أن استقرت الأوضاع لأبي عبد الله الشيعي، أرسل إلى عبيد الله بن محمد بن حبيب الذي كان يدعي بأنه هو المهدي، رجالاً يخبرونه بما فتح الله عليهم، وأن الأرض موطأة لقدومه.

استطاع عبد الله المهدي أن يتخفى طيلة الطريق في زي تاجر، ولكنه وقع في الأسر على يد اليسع بن مدرار أمير سجلماسة، لكنه بقي شاكاً في أمره، ولم يتيقن أنه المهدي الذي يبحث عنه، ولم يستطع أن ينتزع اعترافاً من أصحابه رغم تعذيبهم.

وأرسل زيادة الله جيشاً قوامه أربعين ألفاً للقضاء على أبي عبد الله، فانتصر عليهم أبو عبد الله وغنم كل ما معهم، وأرسل لأبي عبيد الله المهدي رسالة في حبسه يبشره بالنصر والفتح.

تتابعت الحروب بين زيادة الله وأبي عبد الله، إلى أن هزمه واستولى على القيروان ودخل مدينة رقادة، وبعد أن دانت له إفريقية، دخل مدينة سجلماسة وانتصر على أميرها اليسع بن مدرار الذي لم يقتل عبيد الله المهدي، إذ أصر عبيد الله وأتباعه على كتمان أمره، وبأنه مجرد تاجر، ولم يجدِ تعذيب الأمير لأصحابه وابنه لكي يعترفوا بأمره، إلى أن تم الأمر لأبي عبد الله، وأخرج عبيد الله المهدي وولده من السجن في ذي الحجة سنة (296) هجرية.

أصبح عبيد الله المهدي أمير إفريقية ودانت له كل البلاد، وجمع أموال زيادة الله فقسمها على أهل كتامة، وعينهم عمالاً على البلدان.

بدأ الدعاة في نشر المذهب بالقوة، وتم عرض الناس بين يدي المهدي، فمن لم يعتنق المذهب قتل.

بدأت العلاقة بين أبي عبد الله الشيعي وعبيد الله المهدي تسوء؛ لاستبداده بالأمر دونه، فأقدم المهدي بعد ذلك على قتل الرجل الذي وضعه على كرسي الحكم وأهدى له هذا الملك، فتم قتل أبي عبد الله الشيعي، وقتل أخاه، ومجموعة من أصحابهما، سنة 298 هـ ([393]).

المبحث الثاني

موقف علماء المغرب من هذا المد الجديد

هل حل هذا المذهب أرض المغرب على الرحب والسعة، وتلقاه أهلها بالبشر والترحيب؟

لقد نزل أبو عبد الله الشيعي في قبيلة كتامة، وكان لهذه القبيلة مواصفات جعلتها ترحب بهذا الفكر الجديد وتتبناه، لسببين رئيسيين:

1- كونها قبيلة بدوية يغلب عليها الجهل، ويتبين ذلك من عاداتها التي ذكرها الشريف الإدريسي وغيره.

2- تقطن منطقة جبلية بجبل إيكجان، قرب مدينة سطيف، التي تقع في شرق الجزائر مما يلي تونس([394]).

فكانت هذه القبيلة النواة الأولى التي اعتمد عليها الشيعي في تقوية نفوذه ونشر سلطانه، وقد كانت قد تشربت المذهب منذ وصول الداعيان: الحلواني وأبو سفيان إليها.

فليس من شك في أن كتامة تشيعت واقتنعت بهذا المذهب، وحاربت لأجله ودانت به، وقد كانت كما يقول الشريف الإدريسي قبائل كثيرة، لكنها اضمحلت مع الزمن، قال: (ولم يبق من كتامة في وقت تأليفنا لهذا الكتاب إلا نحو أربعة آلاف رجل)([395]) أي في القرن السادس، فالشريف توفي سنة (560) هجرية.

لكن الوضع في حواضر إفريقية كان مختلفاً، فلقد جابه العلماء هذا المذهب الشيعي وكفروه ورفضوه، وشهدت القيروان كبرى حواضر المغرب صراعاً واسعاً، على المستوى الفكري والسياسي بين المذهبين.

فقد نشب صراع بين دعاة عبيد الله المهدي وبين العامة من أهل القيروان، بسبب ما بدءوا يدعون إليه وينشرونه، حتى اضطر عبيد الله إلى كفهم عن دعوة العامة إلى التشيع، تسكيناً للوضع([396]).

وبعد ذلك بدأ يحاول استقطاب العلماء واستمالتهم، فكان يدعوهم إلى مجالسته ومناظرته.

وقد اشتهرت المناظرات بين أبي العباس أخي عبيد الله وبين الشيخ سعيد بن محمد بن الحديد، وكان يغلبه بالحق ويظهر عليه، حتى اشتهر بذلك، وحتى قال له ابنه: (اتق الله في نفسك ولا تبالغ في مناظرة الرجل، فقال له حسبي من له غضبت وعن دينه ذببت)([397]).

ثم بدأت الأمور تتوتر أكثر فأكثر، وبدأت الدعوة إلى التشيع تفرض نفسها بالقوة، وهنا وقف علماء القيروان وقفتهم الشهيرة التي سجلها لهم التاريخ، وذبوا عن دين الله واسترخصوا أرواحهم في سبيل ذلك، ولعل هذا النص يوضح لنا بعض ملامح هذه المرحلة:

(كان عبد الله المعروف بالمحتال، صاحب القيروان، شدّ في طلب أهل العلم، ليشرّقهم([398])، فطلب الشيخ أبا سعيد ابن أخي هشام، وأبا محمد التبّان، وأبا القاسم بن شبلون، وأبا محمد ابن أبي زيد، وأبا الحسن القابسي، رضي الله عنهم. فاجتمعوا في مسجد ابن اللجام واتفقوا على الفرار. فقال لهم ابن التبان: أنا أمضي إليه، وأكفيكم مئونة الاجتماع، ويكون كل واحد منكم في داره، ويقال: إنهم أرادوا السير إلى عبد الله. فقال لهم: أنا أمضي إليه، أبيع روحي من الله دونكم، لأنكم إن أتي عليكم، وقع على الإسلام وهن، ويقال: إنه قال لعبد الله لما دخل عليه: جئتك عن قوم إيمانهم مثل الجبال، أقلّهم يقيناً أنا، فحدث بعض من حضر، قال: كنت مع عبد الله، وقد احتفل مجلسه بأصحابه، وفيهم الداعيان: أبو طالب، وأبو عبد الله. لعنهما الله. وقد وجه إلى ابن التبان، فإذا به داخل، وعيناه توقدان، كأنهما عينا شجاع. فدخل وسلم. فقال: أبطأت عنا يا أبا محمد. فقال: في شغلك كتاب ألفته في فضائل أهل البيت الساعة أتاني به المجلد ودفعه إليّ، فقال: يا أبا محمد ناظر هؤلاء الدعاة، قال: في ماذا؟ قال في فضائل أهل البيت. فقال لهما: ما تحفظان في ذلك، فقال له أبو طالب: أنا أحفظ حديثان -ولحن- ثم سأل الآخر، فقال له: وأنا أحفظ حديثان. فقال فيما ذان الحديثان اللذان تحفظ أنت؟ فقال له: هما يحفظان حديثان -ونطق بلحنهما- وأنا أحفظ في ذلك تسعين حديثاً، فأولى بهما الرجوع إلي، ثم قال عبد الله: يا أبا محمد، من أفضل أبو بكر أو عليّ؟ قال: ليس هذا موضعه، فقال: لابد، فقال: أبو بكر أفضل من علي، فقال عبد الله: أيكون أبو بكر أفضل من خمسة، جبريل عليه السلام سادسهم؟ فقال أبو محمد: أيكون عليّ أفضل من اثنين، الله ثالثهما؟ إني أقول لك ما بين الوجهين، وأنت تأتيني بأخبار الآحاد. فضاق عبد الله، وقال: فمن أفضل عائشة أو فاطمة. فقال له: هذا آخر، سؤالك الأول؟ قال: لابد، قال: عائشة رضي الله عنها، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من فاطمة، قال: من أين؟ فقال له: قال الله تعالى: (( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ))[الأحزاب:32] فيقال: إن بعض الدعاة قال له في هذه المسألة: أيما أفضل، امرأة أبوها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة الكبرى، وزوجها علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولداها الحسن والحسين، سيدا شباب أهل الجنة. أو امرأة، أمها أم رومان وأبوها عبد الله ابن أبي قحافة؟ فقال له: أبو محمد: أيهما أفضل عندك، امرأة إذا طلقها زوجها أو مات عنها تزوجها عشرون زوجاً، أو امرأة إذا مات عنها زوجها أو طلقها لم تحل لأحد؟ فيحكى، أن أبا عبد الله قال له: يا أبا محمد أنت شيخ المؤمنين، ومن يوثق بك، أدخل العهد وخذ البيعة، فعطف عليه أبو محمد وقال له: شيخ له ستون سنة يعرف حلال الله وحرامه، ويرد على اثنين وسبعين فرقة، يقال له هذا؟ لو نُشِرتُ بين اثنين، ما فارقت مذهب مالك. فلم يعارضه، وقال لمن حوله: امضوا معه، فخرجوا ومعهم سيوف مصلتة. فمر بجماعة من الناس ممن أحضر لأخذ الدعوة، فوقف عليهم فقال: تثبتوا ليس بينكم وبين الله عزّ وجلّ إلا الإسلام)([399]).  (يتبع….)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.