ريحانة برس
يبدو القرار القاضي بمنع تمويل المهرجانات والمواسم خلال سنة انتخابية، في ظاهره، خطوة لحماية نزاهة الاستحقاقات وضمان تكافؤ الفرص. غير أن هذا المنع، حين يحصر في ظرفية زمنية محددة، يطرح سؤالا أعمق: هل المشكلة في التوقيت أم في الممارسة ذاتها؟
القرار يعترف ضمنيا بأن المهرجانات قد تستعمل كأداة للتأثير الانتخابي، وأن المال العام يمكن أن يتحول إلى وسيلة للدعاية المقنعة. لكن هذا الاعتراف يصبح ناقصا حين يُختزل الحل في المنع المؤقت، وكأن الإشكال يظهر فقط عند اقتراب الانتخابات، ويختفي في باقي السنوات. والحال أن نفس آليات التمويل، ونفس طرق التدبير، ونفس غياب الصرامة في المراقبة، تستمر طيلة الولاية الانتدابية، دون أن تثير نفس الحزم.
إذا كان تمويل هذه التظاهرات يتم من المال العام، فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا نمنعها الآن؟ بل: بأي منطق تُمول أصلا؟ وما هي الضوابط التي تؤطر صرف هذه الأموال؟ وهل تخضع لرقابة فعالة تضمن أنها تُصرف في إطار المصلحة العامة، لا في خدمة صور سياسية أو حسابات انتخابية مؤجلة؟
إن ربط المنع بسنة انتخابية فقط، قد يعطي انطباعا بأن الإشكال ظرفي، بينما هو في جوهره بنيوي. فالمهرجانات، في كثير من الحالات، تحولت إلى فضاءات رمزية لتلميع الصورة، واستثمار القرب من المواطنين، وتوظيف الثقافة في سياق سياسي غير معلن. وهذا لا يبدأ قبل شهر من الانتخابات، بل يُبنى تدريجيا على امتداد سنوات.
ثم إن هذا القرار يطرح إشكالا آخر يتعلق بالعدالة في المقاربة. فإذا كان الهدف هو حماية المال العام، فهذه الحماية لا ينبغي أن تكون موسمية أو انتقائية. المال العام لا يفقد مشروعيته فقط في فترة الانتخابات، بل يفقدها كلما صُرف خارج أولويات التنمية، أو دون شفافية، أو دون أثر ملموس على حياة المواطنين.
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن للمهرجانات بعدا ثقافيا واقتصاديا، وأنها قد تسهم في تنشيط السياحة وخلق حركية محلية. لكن هذا الدور لا يبرر غياب الحكامة، ولا يبرر تضخم النفقات في مقابل هشاشة قطاعات أساسية كالتعليم والصحة والبنية التحتية. فالإشكال ليس في وجود المهرجانات، بل في طريقة تدبيرها، وأولويات تمويلها، والغاية من تنظيمها.
إن ما يحتاجه تدبير الشأن المحلي ليس قرارات ظرفية تُتخذ تحت ضغط الاستحقاقات، بل إصلاحا عميقا يؤسس لثقافة جديدة في التعامل مع المال العام: ثقافة تقوم على الشفافية، والمساءلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. إصلاح يجعل من كل درهم يُصرف خاضعا لسؤال الجدوى، لا لسؤال التوقيت.
في النهاية، قد يمنع هذا القرار استغلال المهرجانات انتخابيا في لحظة معينة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: كيف نضمن أن المال العام لا يُستعمل، في كل الأوقات، إلا فيما يخدم المصلحة العامة؟ دون ذلك، سيبقى المنع مجرد إجراء مؤقت، يؤجل المشكلة… ولا يحلها.









إرسال تعليق