كرة القدم بين الانتماء والانفلات: حين يتحوّل الشغف إلى خطر اجتماعي

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 11 يناير، 2026 - 18:01
  • الزيارات : 214
  • ريحانة برس 

    لم تكن كرة القدم، في أي مرحلة من تاريخها، مجرّد نشاط ترفيهي أو منافسة بدنية تحسمها الأهداف، بل تشكّلت بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية ذات قدرة استثنائية على توحيد الأفراد، وصهر الاختلافات، وبناء شعور مجتمعي قائم على الانتماء والاحترام المتبادل.

     غير أنّ هذا الرصيد الرمزي الهائل يتعرّض اليوم لتآكل مقلق، يهدّد بتحويل اللعبة الأكثر شعبية في العالم إلى فضاء للفوضى القيمية والانقسام المجتمعي.

    لقد انزلقت كرة القدم، في كثير من السياقات، من كونها ممارسة حضارية تضبطها قواعد المنافسة الشريفة، إلى مسرح تتفجّر فيه غرائز التعصب، ويُشرعن فيه العنف اللفظي والسلوكي باسم الولاء للألوان والشعارات.

     فأصبحت المدرجات مختبرًا لإنتاج الكراهية، لا منصة للاحتفال الجماعي، وتحوّل الانتصار من إنجاز رياضي نسبي إلى هوس مرضي يبرّر الإقصاء والإهانة والتجريح.

    والمفارقة الخطيرة أن هذا الانحراف لا ينحصر في فئات هامشية، بل يتغذّى من منظومة كاملة تخلّت عن دورها التربوي. فالإعلام الرياضي، حين يستبدل التحليل الرصين بالتحريض، ويقدّم الإثارة الرخيصة على المسؤولية المهنية، يساهم مباشرة في شرعنة السلوك العدائي وتطبيعه.

    كما أن المؤسسات الرياضية، بصمتها أو تهاونها، تسمح بتكريس ثقافة الإفلات من المحاسبة، حيث يُكافأ التعصب ويُترك الوعي وحيدًا في الهامش.

    إن أخطر ما يواجه كرة القدم اليوم ليس المال ولا الاحتراف، بل تفريغها من بعدها الأخلاقي، وتحويلها إلى أداة تفجير نفسي واجتماعي.

    فعندما يغيب الحس الرياضي، تتآكل الحدود بين المنافسة والعداء، ويُستبدل الاختلاف المشروع بمنطق الإلغاء، ويصبح الخصم تهديدًا لا شريكًا في صناعة المتعة.

    استعادة روح كرة القدم ليست مهمة عاطفية، بل مشروع ثقافي وتربوي يتطلّب تدخلًا صارمًا ومنهجيًا.

    يبدأ ذلك بإعادة الاعتبار للتنشئة الرياضية في المدارس، وفرض مواثيق سلوك واضحة في الملاعب، وتطوير خطاب إعلامي عقلاني يربط الفوز بالقيم لا بالتحريض. كما يتطلّب بناء وعي جماهيري يدرك أن التشجيع فعل حضاري، لا رخصة للانفلات.

    في المحصلة، كرة القدم ليست معزولة عن المجتمع؛ إنها انعكاس مباشر لوعيه أو أزمته. والرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في عدد البطولات، بل في القدرة على حماية الإنسان من الانحدار باسم اللعبة.

    فإما كرة قدم تُهذّب السلوك وتبني الجسور، أو فرجة صاخبة تُغذّي الانقسام وتفرغ الشغف من معناه.