خطاب العرش 2025 إعلان ملكي لتحول ينهي مغرب السرعتين ويؤسس لعدالة ترابية شاملة.

  • بتاريخ : 30 يوليو، 2025 - 01:04
  • الزيارات : 793
  • د: الحسين بكار السباعي 

    لم يكتف جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في خطاب العرش باستحضار حصيلة المنجزات الوطنية، بل جعل من خطابه وثيقة سياسية مؤسسة لمرحلة جديدة في مسار بناء الدولة الإجتماعية، المستندة إلى الإنصاف الترابي والعدالة المجالية، والموجهة بعقلانية إستشرافية نحو تحديات الداخل وتحولات المحيط الإقليمي والدولي.

    لقد حمل الخطاب الملكي معاني مركبة، امتزج فيها الحزم بالتبصر، والواقعية بالطموح والمكاشفة بالمسؤولية، فجاء مؤطرا لإنتقال جديد من شرعية الإنجاز الإقتصادي إلى رهانات التوزيع العادل لثماره، ومن تثبيت السيادة إلى توسيع نطاق المواطنة الفاعلة، ومن التحصين المؤسساتي إلى إطلاق دينامية تشاركية تستحضر رهانات إستحقاقات 2026 وموقع المغرب في المعادلات الإقليميةوالدولية.

    فعلى الصعيد التنموي، أبرز الخطاب الملكي صلابة الإقتصاد الوطني، رغم إضطرابات السياق العالمي والتغيرات المناخية، فإستعرض جلالته بإيجاز دقيق معالم النهضة الصناعية التي يشهدها المغرب، في قطاعات واعدة كصناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة، إلى جانب الطفرة في البنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية ذات البعد السيادي. إلا أن الخطاب لم ينح منحى الاحتفاء بالإنجازات، بل بادر إلى مساءلة أثر هذه الدينامية على الواقع الإجتماعي، محذرا من مغبة إستمرار الفوارق ، ومشددا بلغة صارمة، على أن “مغرب اليوم لا يمكن أن يقبل التنمية بسرعتين”.
    وفي هذا السياق، شكل الخطاب الملكي نداءا صريحا لإطلاق جيل جديد من البرامج الترابية المندمجة، تعلي من شأن الإنصاف المجالي و تعزز الاستثمار المحلي، وتحسن خدمات التعليم والصحة، وتدبر الموارد الطبيعية بمنطق السيادة لا الندرة. وهي دعوة تنطوي على إعادة تعريف للمسؤولية العمومية، حيث لم تعد التنمية مجرد هدف رقمي، بل واجب أخلاقي ومجتمعي يقاس بمدى تحسين جودة حياة المواطن في أقصى الجبال كما في قلب المدن.

    أما على مستوى البناء الديمقراطي، فقد حمل الخطاب تحذيرا استباقيا للنخب السياسية، عشية الإستحقاقات التشريعية لسنة 2026، مشددا على ضرورة إعداد الإطار القانوني للانتخابات في أجل معقول، بما يضمن الشفافية، ويحصن المسار الديمقراطي من كل إرتباك أو تراجع. إنها رسالة تتجاوز البعد التقني لتلزم الفاعلين السياسيين بتحمل مسؤولياتهم التاريخية، وتجديد أدواتهم وخطاباتهم بما يعيد الثقة للمواطن ويؤهل الحياة السياسية لتكون في مستوى اللحظة الوطنية.

    كما أنه وعلى على مستوى العلاقات الإقليمية، جدد جلالة الملك تأكيده على خيار اليد الممدودة تجاه الجزائر، في موقف يتسم برصانة الدولة المغربية وإتزانها، ويعكس الإيمان العميق بوحدة المصير المغاربي، مع تأكيد ثابت على أن هذا الإنفتاح لا يعني تهاونا في الدفاع عن الثوابت الوطنية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، التي ما فتئت تلقى دعما دوليا متناميا، توج مؤخرا بمواقف واضحة من دول وازنة كالمملكة المتحدة والبرتغال. وهو ما يؤكد صوابية الخيار المغربي في إعتماد مبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وواقعي وذي مصداقية.

    إن خطاب العرش لسنة 2025 يمهد لمرحلة جديدة من التمكين الإجتماعي بعد ترسيخ مقومات التمكين الإقتصادي، ويعلن عن إنتقال في فلسفة الدولة من منطق الإنجاز المعزول إلى منطق الإستكمال العادل للمسار التنموي. خطاب العرش ل 26 سنة من حكم جلالة الملك محمد السادس، خطاب يؤسس لتعاقد وطني جديد، يقوم على مركزية الإنسان، وعلى توزيع عادل للثروة وعلى سيادة القانون، وعلى التوازن بين الطموح التنموي والتماسك الإجتماعي.
    إنها دعوة مفتوحة لكل القوى الحية حكومة و أحزاب سياسية و جماعات ترابية ومجتمع مدني، للإنخراط الجاد والمسؤول في دينامية البناء، وعدم الاكتفاء بدور المتفرج أو المعلق، لأن مغرب الغد لن يبنى بمنطق التسيير الإداري أو الخطابات الموسمية، بل بروح المواطنة المنتجة والمشاركة الفعالة، والتفكير الاستراتيجي الذي يضع مصلحة الوطن فوق كل إعتبار.

    ختاما ، خطاب العرش لهذه السنة 2025 لم يكن احتفالا بالمسار، بل تعاقدا على المستقبل، مستقبل مغرب لا يقصي أحدا، ولا يترك ترابه رهينا لتفاوتات لا تليق بتاريخه ولا بطموحاته الكبرى.

    ذ/ الحسين بكار السباعي
    محام وباحث في الهجرة وحقوق الإنسان.
    خبير في نزاع الصحراء المغربية.