حين تفضح الفياضانات مدينة الصمت: آسفي بين غضب الطبيعة وجريمة الإهمال

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 16 ديسمبر، 2025 - 01:01
  • الزيارات : 339
  • ريحانة برس

    لم تكن فيضانات آسفي حادثًا عرضيًا ولا نوبة غضب سماوية عابرة، بل كانت محاكمة علنية كاملة من الإهمال، وبلاغ إدانة صريح لسنوات من الصمت الرسمي، والتدبير المرتبك، والاستخفاف المزمن بحياة الناس. فحين تتحول الأمطار إلى مقابر، فذلك لأن الخلل لم يعد طبيعيًا… بل مؤسساتي

    الحصيلة الأولية التي تقترب من سبعة وثلاثين ضحية ليست مجرد أرقام في نشرة إخبارية، بل شهادات وفاة لنموذج تدبير فاشل، يفتح الملفات بعد الفاجعة، ويغلقها فور انحسار المياه. فياضانات آسفي لم تقتل وحدها، بل كشفت ما كان يُراد له أن يبقى مدفونًا تحت ركام الشعارات والوعود المؤجلة.

    بلاغ الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بآسفي، القاضي بفتح بحث قضائي لتحديد أسباب وملابسات هذه الكارثة، خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها في الوقت نفسه اعتراف ضمني بأن ما جرى لم يكن “قضاءً وقدرًا”، بل نتيجة مسار طويل من التقصير، وسوء التخطيط، وتبادل المسؤوليات بين الإدارات دون محاسبة حقيقية.

    فالفياضانات لا تصبح فتاكة إلا عندما تجد مدنًا بلا تصريف، وطرقًا بلا معايير، وأحياء تُشيَّد بمنطق الترقيع لا بمنطق السلامة. لا تقتل المياه وحدها، بل يقتلها غياب الرؤية، وتواطؤ الصمت، والتعامل الموسمي مع المخاطر وكأن حياة المواطنين ملف ثانوي يُستدعى فقط في زمن الكوارث.

    في كل مأساة نسمع الخطاب ذاته: “بحث جارٍ”، “حصيلة غير نهائية”، “ظروف قاهرة”. لكن الأسئلة الجوهرية تظل معلقة:

    من سمح ببناء هذه البنيات الهشة؟

    من تجاهل تقارير الإنذار؟

    من صادق على مشاريع لا تحمي ولا تصمد؟

    ومن سيجرؤ على تسمية المسؤول باسمه وصفته؟

    إن الحقيقة المطلوبة اليوم ليست تقنية تُختزل في تقرير إداري، بل حقيقة شاملة: سياسية، إدارية، وأخلاقية. حقيقة تعيد تعريف المسؤولية، وتكسر منطق الإفلات من المحاسبة، لأن دماء الضحايا لا تحتاج مزيدًا من الخطب، بل تحتاج عدالة تُترجم إلى أفعال.

    آسفي، في هذه اللحظة، ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة لوضع وطني أوسع، تُدار فيه الكوارث بمنطق ردّ الفعل لا الاستباق، وتُستبدل فيه الوقاية بالترقيع، والتخطيط بالارتجال، والمحاسبة بالنسيان الجماعي.

    الرهان اليوم ليس فقط في معرفة كيف مات الضحايا، بل في الإجابة عن السؤال الأصعب: لماذا تُترك المأساة لتتكرر؟ ولماذا لا يتحول كل إنذار إلى إصلاح حقيقي؟

    فالطبيعة قد تعصف، نعم… لكنها لا تُحاكم.

    أما الإهمال، فيجب أن يُحاسَب.

    وأما الصمت، فقد آن الأوان لكسره.