ريحانة برس
أثار قرار السلطات المحلية بمدينة العيون منع حفل توقيع رواية “وكر الجواسيس”، الذي كان مقرراً تنظيمه بمقر جمعية الشراع، نقاشاً واسعاً في الأوساط الثقافية والمهتمين بالشأن العام. فالحدث الذي كان يُنتظر أن يمر في إطار ثقافي عادي، تحول فجأة إلى قضية رأي عام، بعدما تم إبلاغ الجهة المنظمة شفوياً بقرار المنع بدعوى عدم التوصل بإشعار مسبق بالنشاط.
الواقعة طرحت أكثر من سؤال حول الخلفيات الحقيقية للقرار، وحول مدى انسجامه مع التحولات التي تعرفها المنطقة في سياق الحديث عن توسيع هامش الحريات وترسيخ أجواء ديمقراطية أكثر انفتاحاً. فالكثير من المتابعين رأوا أن اللجوء إلى المنع، بدل احتواء النشاط في إطاره الثقافي، منح الرواية زخماً إعلامياً لم يكن لها أن تحققه لو أقيم الحفل بشكل عادي.
صاحب الرواية، حمودي بيباه، يُعد من الأسماء الشابة المتخصصة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، وتكوينه الأكاديمي في جامعات مغربية مرموقة أكسبه تقديراً لدى أساتذته وزملائه. وهو ما يجعل البعض يستغرب الربط الضمني بين عمل أدبي روائي وبين هواجس سياسية قد لا تكون حاضرة أصلاً في مضمونه.
“وكر الجواسيس” لا تقدم، بحسب مقربين من العمل، خطاباً تحريضياً أو طرحاً سياسياً مباشراً، بل تغوص في تعقيدات النفس البشرية، وتتناول فكرة التحول من الهامش إلى المركز؛ كيف يمكن لشخص عادي، في لحظة مفصلية، أن يصبح فاعلاً مؤثراً في مجرى الأحداث. كما تطرح الرواية أسئلة أخلاقية حول مفاهيم الخيانة والتخابر، معتبرة أن هذه الظواهر لا ترتبط دائماً بالمصالح المادية أو الحسابات السياسية، بل قد تنبع من صراعات داخلية وعقد نفسية لم تُحل.
العمل، في جوهره، يبدو أقرب إلى مساءلة الضمير الإنساني في سياقات ضاغطة تتسم بالخوف أو الملاحقة أو الإقصاء، مع دعوة ضمنية إلى التمسك بالمبدأ مهما اشتدت الظروف. وهو طرح فكري وأدبي يظل، بطبيعته، مجالاً للنقاش والتأويل، لا للإلغاء والمنع.
في النهاية، قد يكون الدرس الأبرز من هذه الواقعة أن الثقافة بطبيعتها تثير الأسئلة، وأن التعامل معها بمنطق التحفظ المسبق قد يأتي بنتائج عكسية. فالكلمة، حين تُحاصر، غالباً ما تجد طريقها إلى الانتشار بشكل أوسع، لتتحول من حدث محلي محدود إلى قضية تتجاوز حدود المكان.











إرسال تعليق