بين تنظيم الفضاء العام ومتطلبات العيش: الباعة الجائلون في قلب النقاش المجتمعي

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 30 ديسمبر، 2025 - 22:09
  • الزيارات : 205
  • ريحانة برس

    لم يعد حضور الباعة الجائلين في شوارع المدن مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح تعبيراً واضحاً عن تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة. فهؤلاء لم يختاروا الرصيف خياراً أولاً، بقدر ما وجدوا فيه بديلاً مؤقتاً عن فرص عمل محدودة وسوق شغل يصعب الولوج إليه، خاصة بالنسبة للفئات الهشة.

    في السنوات الأخيرة، تصاعد الحديث حول ضرورة “تنظيم الملك العمومي” لما لذلك من أهمية في الحفاظ على النظام العام وجمالية المدن. وهو مطلب مشروع تسعى من خلاله السلطات إلى تحقيق توازن بين استعمال الفضاءات العمومية وحقوق الجميع. غير أن هذا التوجه يفتح في المقابل نقاشاً ضرورياً حول السبل الكفيلة بمواكبة الباعة الجائلين، وضمان عدم تأثر مصادر عيشهم بشكل مفاجئ.

    في كثير من الحالات، يعتمد الباعة الجائلون على هذا النشاط كمورد رزق أساسي لإعالة أسرهم، وغالباً ما تكون إمكانياتهم محدودة. لذلك فإن أي تدخل لتنظيم هذا المجال يطرح تحدي إيجاد حلول بديلة تضمن الاستمرارية الاقتصادية لهؤلاء، وتحافظ في الوقت نفسه على النظام العام.

    ومن اللافت أن عدداً من الباعة الجائلين يتوفرون على تكوينات وشهادات، لكنهم لم يتمكنوا من الاندماج في سوق الشغل النظامي. هذا الواقع يعكس الحاجة إلى التفكير في سياسات تشغيل أكثر شمولاً، تستوعب مختلف الفئات وتستثمر طاقاتها بشكل أفضل.

    إن معالجة وضعية الباعة الجائلين من زاوية تنظيمية فقط قد لا تكون كافية. فالموضوع يتطلب مقاربة متكاملة تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وتسعى إلى إدماج هذا النشاط ضمن أطر قانونية مرنة، مثل إحداث أسواق مخصصة أو فضاءات منظمة تتيح لهم العمل في ظروف لائقة.

    التنمية الحضرية المتوازنة تقوم على الجمع بين تنظيم الفضاء العام وضمان شروط العيش الكريم. وعندما يتم الإنصات لمختلف الأطراف، وإشراك المعنيين في صياغة الحلول، يصبح من الممكن تحقيق مدينة منظمة، وفي الوقت نفسه متضامنة مع أبنائها.

    ويبقى الرهان الأساسي هو إيجاد حلول عملية ومستدامة تجعل من الرصيف مرحلة انتقالية، لا قدراً دائماً، وتحوّل هذا التحدي إلى فرصة لتعزيز الإدماج والاستقرار الاجتماعي.