إفريقيا بين نار الساحل وظلال الاستقرار حكاية أمنٍ يصاغ بصمت

  • الكاتب : سيداتي بيدا
  • بتاريخ : 26 مارس، 2026 - 18:29
  • ريحانة برس

    في قلب القارة الإفريقية، حيث تمتد صحارى الساحل بلا حدود، تتشكل واحدة من أكثر الخرائط الأمنية تعقيدًا في العالم. هناك، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات فقط، بل بدرجات الخطر المتصاعد، حيث تنشط جماعات مسلحة استطاعت أن تحول الهشاشة إلى فرصة، والفراغ إلى نفوذ، لتتصدر دول المنطقة قوائم التأثر بالإرهاب عالميًا في مشهد يثير القلق ويستدعي التأمل.

    غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فعلى مقربة من هذا الامتداد المضطرب، تبرز نماذج مغايرة تنسج بهدوء معادلة مختلفة، حيث اختارت دول مغاربية مثل المغرب وموريتانيا طريقًا آخر، يقوم على الاستباق بدل رد الفعل، وعلى البناء بدل الاكتفاء بالمواجهة. هنا، يبدو الأمن وكأنه يُدار بعقل بارد ورؤية بعيدة، لا تنفصل فيها الصرامة عن الحكمة.

    ما يميز هذه التجارب ليس فقط نجاعتها الأمنية، بل قدرتها على قراءة ما وراء الظاهرة. فالإرهاب، في جوهره، ليس حدثًا عابرًا بل نتيجة تراكمات: اختلالات اقتصادية، هشاشة اجتماعية، وفراغات فكرية تستدعي من يملؤها. ومن هذا الفهم، انطلقت مقاربات متعددة الأبعاد، تُحاصر التطرف في منابعه، قبل أن يتحول إلى تهديد.

    في المغرب، على سبيل المثال، تم نسج منظومة أمنية دقيقة تتكامل فيها الأجهزة الاستخباراتية مع برامج تأطير ديني معتدل، يعيد الاعتبار لقيم الوسطية والتعايش. أما موريتانيا، فقد اختارت بدورها مقاربة تجمع بين الحزم والانفتاح، حيث تم تحصين المجال الداخلي عبر سياسات وقائية أعادت ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع.

    وبينما تظل دول الساحل عالقة في دوامة من التحديات المركبة، تتداخل فيها النزاعات المحلية مع حسابات إقليمية ودولية، يطرح هذا التباين سؤالًا جوهريًا: هل يكفي السلاح وحده لمواجهة الإرهاب؟ أم أن المعركة الحقيقية تُخاض في ميادين أقل صخبًا، حيث يُبنى الوعي، وتُعالج الاختلالات، وتُستعاد الثقة؟

    إن ما يحدث في إفريقيا اليوم ليس مجرد تباين جغرافي في مستوى الخطر، بل هو اختبار حقيقي لجدوى النماذج المختلفة في إدارة الأزمات. وبين ضجيج السلاح في الساحل، وصمت الاستقرار في بعض الدول المغاربية، تتضح حقيقة واحدة: الأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُصنع برؤية، ويُصان بثقة، ويُرسخ بإرادة لا ترى في الاستقرار صدفة، بل خيارًا استراتيجيًا.